حيدر حب الله
71
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
الشكل الثاني : أن نتحدّث عن تأثيرات علم في علم آخر بطريقة مباشرة ، لا من خلال السياق والمناخ العام فقط ، وهذا أمر حاصل بالتأكيد بين العلوم ، فنظريّة الاعتبار في الفلسفة تترك تأثيراً مباشراً وعظيماً على مباحث مهمّة في علم أصول الفقه ، مثل جملة من مباحث مقدّمة الواجب ( الشرط المتأخّر ، المقدّمات المفوّتة ، الواجب المعلّق و . . ) ، وغير ذلك ، والباحثون المختصّون بفلسفة العلم وعلم المعرفة الثانوي يعدّ هذا المجال - أي مجال اكتشاف التأثيرات المتبادلة ، وتحديد موقعها ومركزها ودائرتها - من أهمّ مناشطهم المعرفي . خامساً : من مجمل ما تقدّم نستطيع أن نقول بأنّ التأثيرات حاصلة وتعدّ أمراً واقعاً ، لكنّها ليست شموليّة ، بحيث إنّ كلّ مسألة في علمٍ ما لها تأثير على كلّ مسألة في علم آخر ، فهذا شيء من المستحيل عملياً إثباته ، وهذا يعني أنّ إثبات التأثير يحتاج لدراسة في طبيعة العلاقة بين موضوعي المسألتين ومجمل أطرافهما ، وقضيّة مثل قضية التوحيد - كما جاء في السؤال - لا أعتقد أنّ لها علاقة مباشرة في بعض القضايا في الفقه ، كنجاسة الدم أو غير ذلك ، بحيث نستطيع أن ندّعي بأنّ كلّ ما جاء به هذا العالم أو العارف من بحوث فقهيّة سيكون باطلًا ؛ لأنّه بُني على باطل ؛ فإنّنا بحاجة لإثبات طبيعة العلاقة بين المسألتين ، لنرى هل أنّ الثانية مبنيّةٌ حقّاً على الأولى ، حتى نقول : ما بني على باطل فهو باطل ، أم أنها ليست مبنيّةً عليها . علماً أنّنا وجدنا الكثير من الفقهاء لديهم آراء متناقضة في موضوعات خارج علم الفقه ، لكنّهم توصّلوا إلى نتائج موحّدة في الكثير من قضايا الفقه الإسلاميّ ، الأمر الذي لابدّ من أخذه بعين الاعتبار أيضاً . سادساً : لو صحّ ما جاء في السؤال أعلاه ، لكان ينبغي علينا أيضاً أن نترك كلّ العلوم الطبيعية - كالفيزياء والكيمياء - والإنسانيّة التي عرفها البشر ؛ لأنّ أغلب